أحمد ياسوف
36
دراسات فنيه في القرآن الكريم
وإعجازها البياني وفق منظور البلاغة القديمة ، وهذه النظرات الجمالية مبثوثة في أولى دراسات القرآن لدى أبي عبيدة على قلة . ثم كثرت هذه الإشارات أو اللمحات الفنية في كتب الإعجاز والتفسير بالرأي ، إذ اتسع المجال للتأمل الجمالي ، بدلا من ذكر النصوص لأجل التفسير ، وكان ذلك بطرائق مختلفة نتيجة الوجه المدروس للمفردة ، وتميز نظرة الباحث وثقافة عصره ، وميلة إلى الإجمال أو التفصيل في وعيه الجمالي ، وهذا النمط من الدراسات هو الذي نستشهد به في كثير من مواقع هذا البحث ، وسنمرّ بأعلام كبار خلال الفصول الآتية . ونذكر منهم الآن ابن قتيبة في « تأويل مشكل القرآن » ، والرماني ( - 384 ه ) صاحب رسالة « النكت في إعجاز القرآن » ، وقد التزم بالشواهد القرآنية لإظهار بلاغة القرآن ، وهذا ما ينبغي أن يسير عليه الباحثون في كل زمان ، فنرجّح كفته على غيره من العلماء كعبد القاهر الجرجاني الذي حشد كتابه « دلائل الإعجاز » بشواهد من الشعر حتى شغلت القارئ عن آيات القرآن التي عقد الكتاب لأجلها ولإبراز ما فيها من إعجاز « 1 » . ولم يكن مسلك الجرجاني غريبا ، إذ كانت كتب الإعجاز كتب ثقافة أدبية عامة فشأنه شأن سلفه القاضي أبي بكر الباقلاني ( - 403 ه ) في كتابه « إعجاز القرآن » الذي أسهب في المقارنة بين شعر وشعر ومقصد الكتاب إعجاز البيان القرآني . أ - في نظرية البناء : لقد قيل الكثير في نظرية النظم ، وقامت دراسات عدة على منهج الجرجاني ، خصوصا أن النقد الحديث صار يؤكد العلاقات اللغوية فيما
--> ( 1 ) انظر : القرآن والصورة البيانية ، د . عبد القادر حسين ، ص 31 .